إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
06-09-2011, 08:23 PM   [1]


 
افتراضي سلسلة الإعجاز العلمي في القرآن

فلينظر الإنسان مم خلق‏*‏ خلق من ماء دافق‏ *يخرج من بين الصلب والترائب‏
.


.

...

...
هذه الآيات القرآنية الكريمة الثلاث جاءت في أواخر النصف الأول من سورة الطارق‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها سبع عشرة‏(17)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود القسم في مطلعها بـ‏(‏ والسماء والطارق‏),‏ ويبدو ــ والله أعلم ـ أن المقصود بالطارق هو النجم الراديوي من مثل النجوم النيوترونية النابضة‏,‏ وأشباه النجوم‏,‏ وكل واحد من هذين النوعين من أجرام السماء يطلق كمية هائلة من الأشعات الراديوية التي تطرق صفحة الغلاف الغازي للأرض بطرقات متلاحقة تشبه صوت ضربات الطارق علي الباب‏,‏ وتثقب صمت هذا الغلاف الغازي بنبضاتها السريعة المترددة‏.‏ وكل من النجوم النيوترونية وأشباه النجوم من مراحل احتضار النجوم وانكدارها التي لم تكتشف إلا في الستينيات من القرن العشرين‏(1963‏ م بالنسبة لأشباه النجوم‏,1968‏ م بالنسبة للنجوم النيوترونية النابضة‏).‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلي هذه الطوارق‏(‏ النجوم الراديوية‏)‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة لهو بحق من الشهادات الناطقة بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ حرفا حرفا وكلمة كلمة وآية آية‏,‏ وسورة سورة‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد سبحانه بحفظ كتابه الخاتم‏(‏ القرآن الكريم‏)‏ إلي ماشاء الله حتي يكون حجة علي الناس كافة بعد انقضاء النبوة وانقطاع الوحي السماوي عن الأرض‏.‏

وتبدأ سورة الطارق بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ ــ وهو الغني عن القسم ــ يقول فيه‏:‏
والسماء والطارق‏*‏ وما أدراك ما الطارق‏*‏ النجم الثاقب‏*(‏ الطارق‏:1‏ ــ‏3).‏

و‏(‏السماء‏)‏ لغة اسم مشتق من‏(‏ السمو‏)‏ بمعني الارتفاع والعلو‏.‏ وعلي ذلك فإن‏(‏ سماء‏)‏ كل شئ أعلاه‏,‏ ولذلك قيل‏:‏ كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏,‏ ويقال‏:‏ فلان لا‏(‏ يسامي‏)‏ أي‏:‏ لا يباري‏,‏ وقد علا من‏(‏ ساماه‏)‏ أي الذي باراه‏,‏ ويقال‏‏ تساموا‏)‏ أي تباروا في اكتساب المعاني‏(‏ عادة‏).‏ ولفظة‏(‏ السماء‏)‏ في العربية تذكر وتؤنث‏,‏ وإن اعتبر تذكيرها شاذا‏,‏ وجمعها‏(‏ سماوات‏)‏ و‏(‏أسمية‏)‏ و‏(‏سماو‏)‏ و‏(‏سمي‏),‏ وإن كان أشهرها ذيوعا هو‏(‏ سموات‏)‏ الذي جاء بالقرآن الكريم‏.‏ وانطلاقا من هذا التعريف قيل لسقف البيت‏(‏ سماء‏)‏ لارتفاعه‏,‏ وقيل للسحاب‏(‏ سماء‏)‏ لعلوه‏.‏
و‏(‏السماء‏)‏ هي كل ما يقابل الأرض من الكون‏,‏ والمراد بها ذلك العالم العلوي من حول الأرض‏,‏ الذي يضم مختلف الأجرام السماوية من الكواكب‏,‏ والكويكبات والأقمار‏,‏ والمذنبات‏,‏ والنجوم‏,‏ والبروج ومختلف تجمعاتها‏,‏ وغير ذلك من مختلف صور المادة والطاقة‏(‏ الواضحة الجلية‏,‏ أو المستترة الخفية‏)‏ المنتشرة بينها وفي كل من المكان والزمان المحيطين بنا من السماء الدنيا‏,‏ أما باقي السماوات السبع فلولا أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أخبر عنها في محكم كتابه‏,‏ ولولا أن خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قد جابها في ليلة الإسراء والمعراج ما كان أمام الإنسان من سبيل إلي التعرف عليها‏.‏ وقد خلق الله‏(‏ تعالي‏)‏ السماوات ــ وهو خالق كل شئ ــ ورفعها بعمد غير مرئية‏,‏ وجعل لها عمارا من الملائكة‏,‏ ومما لانعلم من الخلق غيرهم‏,‏ وحرسها من كل شيطان مارد من الجن أو الانس‏,‏ فهي محفوظة بحفظه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ إلي أن يرث الكون بجميع من فيه وما فيه‏.‏

وقد جاءت لفظة السماء في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة موضعا‏,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد‏(‏ السماء‏),‏ ومائة وتسعون بالجمع‏(‏ السماوات‏),‏ كذلك جاءت الإشارة إلي البينية الفاصلة للسماوات عن الأرض بتعبير‏(‏ السماوات والأرض وما بينهما‏)‏ في عشرين موضعا من تلك المواضع مما يؤكد مركزية الأرض من السماوات‏,‏ وهو ما لاتستطيع العلوم المكتسبة أن تقول فيه شيئا بالإثبات أو النفي‏.‏
ويقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من السماء الدنيا بأكثر من أربعة وعشرين بليونا من السنين الضوئية‏(24‏ بليون‏*9,5‏ مليون مليون كيلو متر‏),‏ وهذا الجزء دائم الاتساع إلي نهاية لايعلمها إلا الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبسرعات لايمكن للإنسان اللحاق بها‏,‏ وذلك لأن سرعة تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض تقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏.‏

والجزء المدرك من السماء الدنيا يضم ما بين مائتي ألف مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا‏(‏ سكة التبانة أو درب اللبانة أو الطريق اللبني والتي تضم أكثر من مليون مليون نجم كشمسنا‏),‏ وبعض هذه المجرات أكبر من مجرتنا كثيرا‏,‏ وبعضها أصغر قليلا‏,‏ وكما أن لشمسنا توابع من الكواكب والكويكبات‏,‏ والأقمار والمذنبات‏,‏ وغير ذلك من الأجرام‏,‏ فلابد أن يكون لكل نجم من بلايين البلايين من نجوم السماء الدنيا توابعه‏,‏ وتترتب النجوم بتوابعها في المجرات‏,‏ وتترتب هذه في التجمعات المحلية‏,‏ والتي تترتب بدورها في الحشود المجرية‏,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية‏,‏ ثم في حشود مجرية عظمي‏,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية العظمي إلي ما هو أكبر من ذلك حتي نهاية السماء الدنيا التي لايعلمها إلا الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏
من هنا كانت أهمية القسم بالسماء في مطلع سورة الطارق لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏.‏

وتعطف الآية الأولي من سورة الطارق علي القسم بالسماء قسما آخر بالطارق‏.‏ و‏(‏الطارق‏)‏ اسم فاعل من الطرق بمعني الضرب بشدة‏,‏ وأصل‏(‏ الطرق‏)‏ الدق‏,‏ ومنه سميت‏(‏ المطرقة‏)‏ التي يطرق بها‏,‏ وجمع‏(‏ الطارق‏)(‏ الطرق‏)‏ و‏(‏الأطراق‏),‏ ومؤنثه‏(‏ الطارقة‏),‏ وهي أيضا الداهية‏,‏ وجمعها‏(‏ الطارقات‏)‏ و‏(‏ الطوارق‏).‏ و‏(‏طرق‏)‏ الحديد أي مدده ورققه‏,‏ وهذا هو الأصل‏,‏ ولكن استخدمت اللفظة مجازا لتدل علي‏(‏ الطريق‏)‏ أي السبيل‏.‏ لأن السابلة تطرقه بأقدامها‏,‏ ثم صارت اسما لسالك الطريق باعتبار أنه يطرقها بقدميه أيضا‏,‏ ولفظة‏(‏ الطريق‏)‏ تذكر وتؤنث‏,‏ وجمعها‏(‏ أطرقة‏)‏ و‏(‏ طرق‏).‏
كذلك استخدم لفظ‏(‏ الطريقة‏)‏ بمعني الوسيلة أو الحالة‏,‏ واستخدم‏(‏ الطرق‏)‏ و‏(‏المطروق‏)‏ للاشارة الي ماء المطر الذي‏(‏ تطرقه‏)‏ الإبل بأقدامها بعد سقوطه علي الأرض‏.‏ واستخدم لفظ‏(‏ الطارق‏)‏ علي سبيل المجاز للتعبير عن كل من جاء بليل‏,‏ فسمي قاصد الليل‏(‏ طارقا‏)‏ لاحتياجه إلي طرق الأبواب المغلقة‏.‏ يقال‏‏ طرق‏)‏ فلان القوم‏(‏ طرقا‏)‏ و‏(‏ طروقا‏)‏ أي‏:‏ آتاهم ليلا‏.‏ ويؤيده قول رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):....‏ الا طارقا يطرق بخير يا رحمن ثم اتسع هذا الاستعمال المجازي ليشمل كل ما ظهر بليل‏,‏ وقيل‏:‏ إنما سمي النجم‏(‏ طارقا‏),‏ لأنه يري بالليل‏,‏ ويختفي بالنهار‏.‏ ثم زيد في توسيعه حتي أطلق لفظ‏(‏ الطوارق‏)‏ علي الصور الخيالية البادية لبعض الناس بالليل‏,‏ و‏(‏طريقة القوم‏)‏ و‏(‏طرائقهم‏)‏ أماثلهم وخيارهم‏,‏ و‏(‏الطرائق‏)‏ و‏(‏ الطرق‏)‏ هي الفرق‏,‏ و‏(‏الطرق‏)‏ أيضا هو الضرب بالحصي وهو من الكهانة والتكهن‏,‏ و‏(‏الطراق‏)‏ هم المتكهنون‏,‏ و‏(‏الطوارق‏)‏ هن المتكهنات‏.‏

والوصف القرآني بـ‏(‏ الطارق‏)‏ ينطبق علي نجوم في صفحة السماء الدنيا تعتبر مصادر للإشعاع الراديوي المنتظم الذي يطرق غلافنا الغازي بشدة‏.‏ ومن أهمها النجوم النيوترونية النابضة‏(‏ النابضات أو النوابض‏)‏ وهي نجوم ذات أحجام صغيرة‏,‏ ولكنها ذات كثافة وجاذبية فائقة‏,‏ تدور حول محورها بسرعات عالية جدا لتتم دورتها فيما يتراوح بين واحد من ألف من الثانية وبضع ثوان معدودة في الدورة الواحدة‏,‏ مطلقة كميات هائلة من الموجات الراديوية وغيرها من صور الطاقة ولذلك تعرف باسم النوابض الراديوية‏(TheRadioPulsars).‏ وقد يصل عدد نبضاتها إلي قرابة الألفين‏(1968)‏ نبضة في الثانية‏.‏ ويعتقد أن النابض الراديوي يطلق نبضة واحدة من تلك النبضات أو الموجات الراديوية في كل دورة كاملة حول محوره‏.‏ ومن رحمة الله بنا أن أقرب النوابض الراديوية إلينا يبعد عنا بمسافة خمسة آلاف من السنين الضوئية‏,‏ ولو كان علي نصف هذه المسافة منا لكان لنبضاته المتسارعة آثارها المدمرة علي الأرض‏.‏
ومن مصادر الإشعاع الراديوي المتميز أيضا ما يعرف اليوم في علم الفلك باسم أشباه النجوم‏(TheQuasars),‏ وهي أجرام سماوية متناهية البعد عنا‏,‏ وضعيفة الإضاءة جدا‏(‏ ربما لبعدها الفائق عنا‏)‏ ومنها ما يطلق أقوي الموجات الراديوية‏,‏ التي تصل إلي الأرض‏,‏ ولذا تعرف باسم أشباه النجوم المصدرة للموجات الراديوية‏.‏ وأشباه النجوم هي أجسام ذات كثافة رقيقة جدا تقدر بحوالي واحد من ألف تريليون من الجرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ وهي تتباعد عنا بسرعات فائقة‏,‏ وتعتبر أبعد ما قد تم رصده من أجرام السماء بالنسبة لنا حتي اليوم‏,‏ وتبدو وكأنها علي أطراف الجزء المدرك من السماء الدنيا تطرق أبوابها بنبضاتها لتوصل إشاراتها الراديوية إلينا كطرقات منتظمة علي الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وقد تم الكشف عن حوالي ألف وخمسمائة من أشباه النجوم علي أطراف الجزء المدرك لنا من الكون‏,‏ ويتوقع الفلكيون وجود آلاف أخري منها لم تكتشف بعد‏.‏

وكل من النجوم النيوترونية النابضة وأشباه النجوم الراديوية يعتبر من أهم المصادر الراديوية التي تمطر سماء أرضنا بنبضاتها المتلاحقة وبسرعاتها الفائقة‏,‏ وكأنها الطرقات المدوية التي تقطع صمتها‏,‏ وتثقب تماسكها وظلمتها ومن هنا كان الاستنتاج بأنها المقصودة بتعبير الطارق النجم الثاقب والله‏(‏ تعالي‏)‏ أعلم‏.‏
وبعد القسم بكل من والسماء والطارق‏,‏ وفي القسم بهما تفخيم لشأنهما لدلالة كل منهما علي بديع صنع الله الخالق في الكون‏,‏ وعلي إحاطة علمه‏,‏ وكمال حكمته‏,‏ وعظيم قدرته‏,‏ بعد ذلك مباشرة تتوجه الآية الثانية من هذه السورة المباركة إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بالسؤال التالي‏:‏

وما أدراك ما الطارق والسؤال كما هو موجه إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ موجه إلي كل قاريء للقرآن الكريم‏,‏ ومعناه‏:‏ أي شيء وصل إلي إدراكك عن الطارق؟ لأنه لم يكن لأحد من الخلق قبل الستينيات من القرن العشرين إلمام بشيء عن هذه الأجرام السماوية العجيبة التي ترسل بموجات من الأشعات الراديوية إلي سماء الأرض تطرق صفحتها كما يطرق قادم بليل الباب المغلق كي يفتح له‏,‏ ولذلك فسرت الآية الثالثة طبيعة هذا الطارق بقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ النجم الثاقب‏*‏ أي الذي يثقب صمت السماء بطرقاته المنتظمة‏,‏ السريعة‏,‏ المتلاحقة‏,‏ أو يثقب ظلمة السماء بما ينفثه فيها من مختلف صور الطاقة الأخري المصاحبة للموجات الراديوية‏,‏ فحدد صفة الطارق بأنه نجم‏,‏ وأنه ثاقب‏,‏ وهاتان صفتان تتطابقان مع كل من النجوم وأشباه النجوم الراديوية والتي لم تدرك الا في أواخر الستينيات من القرن العشرين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها هو من معجزاته العلمية القاطعة بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ والشاهدة للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه‏)‏ بصدق النبوة‏,‏ وربانية الرسالة‏.‏
وبعد ذلك يأتي جواب القسم‏:‏ إن كل نفس لما عليها حافظ‏*(‏ الطارق‏:4).‏ أي أن كل نفس عليها من الله‏(‏ تعالي‏)‏ حافظ من الملائكة موكل بها‏,‏ يحفظها بأمر الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ ويحفظ عنها أعمالها‏,‏ وأقوالها بأمر الله كذلك‏,‏ ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر‏,‏ في مراقبة دائمة من لحظة الرشد إلي لحظة الممات‏,‏ وعدي اسم الفاعل‏(‏ حافظ‏)‏ بحرف الجر‏(‏ علي‏)‏ ليفيد معني القيام الشامل‏,‏ والإحصاء التام‏.‏ و‏(‏لما‏)‏ تستعمل علما للظرف‏,‏ والتشديد في‏(‏ لما‏)‏ فيه‏(‏ ما‏)‏ زائدة للتوكيد‏,‏ و‏(‏إن‏)‏ مخففة من الثقيلة‏(‏ إن‏),‏ واسمها محذوف‏.‏

ولتأكيد هذه الحقيقة الغيبية دعت الآيات بعد ذلك الإنسان إلي النظر في أول نشأته حتي لا يطغيه شيء من الكبر أو التعالي علي الخلق‏,‏ وحتي يعلم أن من أنشأه هذه النشأة قادر علي أن يجعل عليه حافظا من الملائكة‏,‏ وقادر علي إعادة بعثه بعد موته‏,‏ وعلي محاسبته وجزائه في يوم تكشف كل المكنونات مما أسر في القلوب من العقائد والنيات‏,‏ وما أخفي من الأعمال والأقوال والتصورات‏,‏ وابتلاء السرائر هو الكشف عن خفاياها وإظهارها مهما أخفيت فتقول‏:‏ فلينظر الإنسان مم خلق‏*‏ خلق من ماء دافق‏*‏ يخرج من بين الصلب والترائب‏*‏ إنه علي رجعه لقادر‏*‏ يوم تبلي السرائر‏*‏ فما له من قوة ولا ناصر‏*(‏ الطارق‏:5‏ ـ‏10).‏
وخلق الانسان‏...‏ من ماء دافق‏*‏ يخرج من بين الصلب والترائب‏)‏ من الحقائق العلمية التي لم تكشف عنها العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في سياق الاستشهاد علي حتمية البعث والرجوع إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو من قبيل تأكيد طلاقة القدرة الإلهية علي تحقيق ذلك في وقت لا يمتلك الإنسان قوة في نفسه ولا يجد له ناصرا من حوله يمكن أن يتصوره عونا له في الامتناع عن قدر الله‏.‏

ثم تتبع الآيات بقسمين آخرين من الله‏(‏ تعالي‏)‏ ـ وهو الغني عن القسم لعباده ـ يقول فيهما‏:‏ والسماء ذات الرجع‏*‏ والأرض ذات الصدع‏*(‏ الطارق‏:12,11)‏ ورجع السماء هو قدرتها علي ارجاع النافع المفيد من مختلف صور المادة والطاقة التي ترتفع اليها من الأرض إلي ذلك الكوكب المبارك مرة أخري وذلك من مثل‏:‏ صدي الصوت‏,‏ المطر‏,‏ الرجع الحراري بعد غروب الشمس‏,‏ الغبار المرتفع بواسطة الرياح‏..‏ موجات البث الإذاعي والتلفازي وغيرها‏,‏ وقدرة سماء الأرض أيضا علي ارجاع الضار المهلك من صور المادة والطاقة التي تهبط من السماء في اتجاه الأرض إلي السماء مرة أخري وذلك من مثل‏:‏ الزائد من حرارة الشمس الذي ترده السحب‏,‏ والأشعة فوق البنفسجية وتردها طبقة الأوزون‏,‏ والأشعة الكونية ويردها كل من النطاق المتأين وأحزمة الإشعاع الموجودة فيه وغيرها‏,‏ وتحصي العلوم المكتسبة اليوم أكثر من عشر صور لرجع السماء بشكليه الداخلي العائد إلي الأرض‏,‏ والخارجي المندفع بعيدا عنها جمعتها هذه السورة الكريمة في كلمة واحدة هي‏(‏ الرجع‏).‏
والقسم بـ‏(‏ والأرض ذات الصدع‏)‏ يشمل انصداع التربة عن النبات وعن أجساد الأموات يوم البعث‏,‏ كما يشمل شبكة الصدوع التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة والتي يشبهها العلماء باللحام علي كرة التنس‏,‏ ممتدة لعشرات الآلاف من الكيلومترات في مختلف الاتجاهات‏,‏ وبأعماق تتراوح بين‏60‏ كم‏,65‏ كم في صخور قيعان جميع محيطات الأرض وقيعان أعداد من بحارها‏,‏ وبين‏100‏ كم‏,150‏ كم في صخور اليابسة لتشكل صمام أمن للأرض تنطلق منه الطاقة الزائدة عن حاجتها والناتجة من تحلل العناصر المشعة الموجودة في داخل الأرض‏.‏ ولولا تلك الشبكة الهائلة من الصدوع والمتصلة ببعضها البعض وكأنها صدع واحد لانفجرت الأرض علي هيئة قنبلة ذرية كبيرة منذ اللحظة الأولي لتيبس قشرتها ومن هنا كانت أهمية ذلك الصدع لاستقامة وجود الأرض وجعلها صالحة للعمران والحياة‏,‏ ولذلك جاء هذا القسم الإلهي المغلظ به ـ والله‏(‏ تعالي‏)‏ غني عن القسم لعبادة ـ جاء القسم تنبيها لنا إلي أهمية الأمر المقسم عليه الا وهو صدع الأرض‏.‏ ويأتي جواب القسم بقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ إنه لقول فصل‏*‏ وما هو بالهزل‏*(‏ الطارق‏:13‏ ـ‏14)‏ أي أن القرآن الكريم المشتمل علي هذه السورة المباركة‏,‏ وعلي ما جاء فيها من أمور الغيب‏,‏ وحقائق الكون‏,‏ هو‏(‏ قول فصل‏)‏ يفصل بين الحق والباطل‏,‏ بل هو الفصل ذاته‏,‏ الذي ليست فيه شائبة من شوائب الهزل‏,‏ لأنه قاطع في فصله‏,‏ جاد‏,‏ حازم في حكمه‏,‏ وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وحفظه حفظا كاملا علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ الإلهي إلي قيام الساعة‏,‏ في زمن ضياع كل أصول صور الوحي السابقة ضياعا تاما‏,‏ وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلي قدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني‏,‏ وجعلها عاجزة كل العجز عن هداية أتباعها الذين تسببوا في أغلب الحروب والمآسي والكوارث والانهيارات الانسانية التي عانت منها البشرية كلها‏,‏ ولاتزال باسم أديانهم‏,‏ والدين منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب‏.‏

وتختتم سورة الطارق بأمر من الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ وللقلة التي آمنت به في مكة المكرمة‏,‏ بل وللمؤمنين به من بعد ذلك في مختلف بقاع الأرض وحتي قيام الساعة‏)‏ وقد كان‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وكان المؤمنون به ـ ولايزالون ـ يعانون كيد الكفار والمشركين ومؤامراتهم الحقيرة ودسائسهم الخفية والمعلنة‏,‏ فتأمرهم الآيات أن يمهلوا الكافرين قليلا‏,‏ ولا ييأسوا من النصرة عليهم‏,‏ لأن عقاب الله‏(‏ تعالي‏)‏ واقع بهم لا محالة‏,‏ وانتقامه منهم نازل بهم دون أدني شك‏.‏ فالله القادر‏,‏ القاهر‏,‏ العزيز‏,‏ الجبار‏,‏ المنتقم‏,‏ يقابل كيد الكافرين الهزيل بكيد منه متين‏,‏ وشتان بين كيد الكفار والمشركين والطغاة المتجبرين في الأرض مهما تعاظم‏,‏ وكيد رب العالمين الذي لا راد له ولا دافع‏,‏ والله يمد لأعدائه من قبيل استدراجهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر من حيث لا يعلمون فيهلكهم كما أهلك أمثالهم من قبل‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في ختام سورة الطارق‏:‏
إنهم يكيدون كيدا‏*‏ وأكيد كيدا‏*‏ فمهل الكافرين أمهلهم رويدا‏*(‏ الطارق‏:15‏ ـ‏17).‏

وهذا الخطاب الإلهي إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وإلي جميع المؤمنين به في زمانه ومن بعده إلي يوم الدين فيه من دواعي التثبيت علي الحق‏,‏ والتطمين بالنصر والتمكين‏,‏ ومن مبررات التهوين من كيد كل الطغاة المتجبرين في الأرض مهما تعاظم كيدهم‏,‏ وعلا صوتهم لأنه كيد واهن مؤقت إلي حين‏,‏ وفي كل ذلك ما يدفع المؤمنين في كل زمان ومكان إلي اليقين في قدرة الله الغالبة لكل قدرة‏,‏ والاعتماد عليه وحده دون غيره‏,‏ بعد الأخذ بكل ما في الإمكان من أسباب‏,‏ والثقة بنصره لعباده المؤمنين لأن بيده وحده مقاليد كل شيء‏,‏ وهو‏(‏ تعالي‏)‏ وحده رب هذا الكون ومليكه‏,‏ ومدبر أموره ومصرف شئونه‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ ولا حاجة به إلي أحد‏,‏ ولا إلي الصاحبة والولد‏,‏ وكيده متين‏,‏ وكيد أعدائه واهن ضعيف حزين أمام سلطان رب العالمين‏.‏

من الدلالات العلمية للآيات القرآنية الثلاث
أولا‏:‏ في قوله تعالي‏:‏ فلينظر الإنسان مم خلق‏*:‏
جاءت الإشارة إلي خلق الإنسان في أكثر من مائة موضع في القرآن الكريم منها‏:‏

(‏ ا‏)‏ ما جاء في خلقه من تراب‏(‏ آل عمران‏:59,‏ الحج‏:5,‏ الروم‏,20,‏ فاطر‏:11,‏ غافر‏:67,‏ الكهف‏:37).‏
و‏(‏ب‏)‏ ما جاء في خلقه من طين‏(‏ الأنعام‏:2,‏ السجدة‏:7,‏ الأعراف‏:12,11,‏ الإسراء‏:61,‏ ص‏:71‏ ـ‏76),‏
و‏(‏جـ‏)‏ ما جاء في خلقه من سلالة من طين‏(‏ المؤمنون‏:12‏ ـ‏14).‏

و‏(‏د‏)‏ ما جاء في خلقه من طين لازب
‏(‏الصافات‏:11).‏
و‏(‏هـ‏)‏ من صلصال من حمأ مسنون
‏(‏الحجر‏:26‏ ـ‏33).‏
و‏(‏و‏)‏ من صلصال كالفخار‏(‏ الرحمن‏:14).‏
و‏(‏ز‏)‏ من الأرض
‏(‏طه‏:55,‏ النجم‏:33,‏ نوح‏:18,17,‏ هود‏:61).‏

و‏(‏ح‏)‏ من ماء مهين‏(‏ المرسلات‏:20).‏
و‏(‏ط‏)‏ من ماء دافق‏(‏ الطارق‏:6).‏
و‏(‏ي‏)‏ من الماء‏(‏ الفرقان‏:54).‏
و‏(‏ك‏)‏ من نطفة‏(‏ النحل‏:4,‏ النجم‏:45‏ ـ‏47,‏ القيامة‏:37‏ ـ‏40,‏ عبس‏:17‏ ـ‏19).‏
و‏(‏ل‏)‏ من علق‏(‏ العلق‏:2,1).‏
و‏(‏م‏)‏ من النفس أو الأنفس‏(‏ النساء‏:1,‏ الأعراف‏:189,‏ الروم‏:21,‏ الزمر‏:6,‏ لقمان‏:28).‏

وهذه كلها مراحل في الخلق من لدن أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ إلي آخر إنسان‏,‏ وهي مراحل يتمم بعضها بعضا‏,‏ وتشهد لله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بطلاقة القدرة‏,‏ وبديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ ولذلك قال‏(‏ تعالي‏):‏
وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏*(‏ الذاريات‏:21)‏

وهذه المراحل تؤكد في نفس الوقت حقارة نشأة الإنسان الأولي التي لا تزول عنه الا بالارتباط الصادق بخالقه وعبادته بما أمر‏,‏ وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها وإقامة عدل الله فيها‏.‏
وتذكير الإنسان بحقارة نشأته الأولي لجام فطري لغروره واستعلائه ومحاولاته لتجاوز حدوده‏,‏ بحكم أنه مخلوق ذو إرادة حرة‏.‏

وفي تذكير الإنسان بحقارة نشأته الأولي بهذا التفصيل الذي فصله الله‏(‏ تعالي‏)‏ لنا في محكم كتابه حد من نزغات الشيطان التي تسول للإنسان أحيانا حب الخروج عن حقيقة الخلق والدينونة لله الخالق بالغرق في أو حال الخلق العشوائي كما نادت به فكرة التطور العضوي‏,‏ أو الشرود بالخيال الجامح كتصور أبوين لآدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ دون أدني حجة منطقية‏.‏ وقضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏,‏ خلق الحياة‏,‏ وخلق الإنسان من القضايا الغيبية التي إذا دخلها الإنسان بغير هداية ربانية من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة دخل نفقا مظلما لا يخرج منه أبدا مهما كان بيديه من الشواهد الحسية ولذلك قال ربنا‏(‏ جل شأنه‏):‏
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا‏*(‏ الكهف‏:51).‏

ولذلك فصل القرآن مراحل خلق الإنسان في أكثر من مائة آية قرآنية وأمرنا في هذه السورة المباركة بالنظر في مم خلقنا‏,‏ وفسره بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب‏,‏ وفسره في مقام آخر بالماء المهين حتي لا يركب الغرور أحدا من المخلوقين‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله تعالي‏:‏ خلق من ماء دافق‏*:‏
في الوقت الذي ساد الاعتقاد بأن الجنين يتخلق من دم الحيض فقط‏,‏ أو من ماء الرجل فقط‏,‏ نزل القرآن الكريم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ مقررا أن الإنسان خلق من ماء دافق‏*(‏ الطارق‏:6).‏
وأخرج الإمام أحمد في مسنده‏:‏ أن يهوديا مر برسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه‏,‏ فقالت قريش‏:‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏.‏ فقال‏:‏ لأسألنه عن شيء لا يعلمه الا نبي‏,‏ فقال‏:‏ يا محمد‏!‏ مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ يا يهودي‏:‏ من كل يخلق‏,‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة‏.‏

ولم تعرف هذه النطف إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏,‏ حين علم دورها في تخلق الإنسان‏.‏
ومن الواضح أن كلا من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة قد مايز بين نطف التكاثر والماء الذي يحملها‏,‏ فيقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في محكم كتابه عن الإنسان‏:‏
أيحسب الإنسان أن يترك سدي‏*‏ ألم يك نطفة من مني يمني‏*‏ ثم كان علقة فخلق فسوي‏*‏ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثي‏*‏ أليس ذلك بقادر علي أن يحيي الموتي‏*.‏
‏(‏ القيامة‏:36:40).‏

وفي الحديث الشريف جاء قول رسولنا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ ما من كل الماء يكون الولد‏,‏ وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء‏(‏ أخرجه مسلم‏).‏
من ذلك كله يتضح أن الماء الدافق الذي يخلق منه الإنسان يقصد به ماء كل من الرجل والمرأة‏,‏ وسمي دافقا لأن كلا منهما‏,‏ يخرج من مصدره متدفقا‏.‏ فماء الرجل يخرج من غدتيه التناسليتين‏(‏ أي من خصيتيه‏)‏ وهما الغدتان المسئولتان عن تخلق النطف‏(‏ الحيوانات المنوية أو الحيامن‏)‏ وعن إفراز هرمونات الذكورة‏,‏ وهما في الرجل يوجدان خارج الجسم في كيس الصفن وذلك لأن حرارة الجسم العالية‏(37‏ درجة مئوية في المتوسط‏)‏ لا تسمح بتخلق النطف‏.‏ والخصية غدة بيضية الشكل‏,‏ مكونة من مجموعة من الفصوص التي يصل عددها إلي الأربعمائة‏,‏ وفي كل واحد منها ثلاثة أنابيب منوية دقيقة وملتفة علي ذاتها‏,‏ يبلغ طول كل منها حوالي نصف المتر مما يصل بطولها الإجمالي إلي أكثر من خمسمائة متر‏,‏ وهي مكدسة في حيز لا يزيد علي‏60‏ ملليمترا مكعبا‏.‏ وفي هذه القنوات تتولد النطف وتفرز هرمونات الذكورة‏,‏ وبتقلصات كل من جدار الحويصلة المنوية والقناة القاذفة للمني مع تقلصات عدد من عضلات الجهاز التناسلي بأمر من الجهازين العصبيين الودي واللا ودي يندفع السائل المنوي عبر الإحليل وهو يحوي في كل دفقة أكثر من مائتي مليون حيمن‏(‏ حيوان منوي‏),‏ لا يصل منها إلي البييضة إلا بضع مئات قليلة‏,‏ ويهلك أغلبها في طريقه إليها ولا يلقحها إلا حيوان منوي واحد‏.‏ وهذا الاختيار لا يتحكم فيه إلا إرادة الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ من لحظة اختيار الزوجين‏,‏ إلي لحظة الإخصاب لبييضة محددة بحيوان منوي محدد‏,‏ يحمل كل منهما صفات محددة قدرها الخالق‏(‏ سبحانه‏)‏ سلفا بعلمه وحكمته وقدرته‏.‏

أما ماء المرأة فهو الماء المحيط بالبييضة في داخل حويصلتها المعروفة باسم حويصلة جراف‏,‏ فإذا انفجرت الحويصلة تدفق هذا الماء يدفع بالبييضة إلي بوق قناة الرحم التي تعرف أيضا باسم قناة فالوب حيث تلتقي بالحيمن المقسوم لإخصابها وتكوين النطفة الأمشاج‏.‏
والغدتان التناسليتان في المرأة هما المبيضان القابعان في حوضها في حفرتين صغيرتين كل واحدة منهما علي جانب من جانبي الحوض‏,‏ وكل مبيض عبارة عن غدة شبه مستديرة‏(‏ في حدود‏35‏ مم‏*25‏ مم‏)‏ تقع بالقرب من بوق قناة الرحم‏,‏ ومثبتة في موضعها بعدد من الأربطة‏,‏ وكل مبيض يتكون من نسيج ليفي غني بأوعيته الدموية يعرف باسم سداة المبيض ويحيط بها عدد من الحويصلات المبيضية المعروفة باسم حويصلات جراف‏,‏ تحتوي كل منها علي بييضة واحدة محاطة بكمية من الماء الأصفر‏,‏ وعدد البييضات في جنين الأنثي يتراوح بين أربعمائة ألف وستة بلايين بييضة‏,‏ لا يبقي منها عند سن البلوغ سوي بضعة آلاف قليلة‏,‏ تنمو منها حويصلة واحدة في كل شهر طوال الفترة التناسلية للأنثي من سن البلوغ إلي سن اليأس بمجموع لا يتعدي الأربعمائة بييضة علي طول هذا العمر‏.‏ وأكثر من‏50%‏ من عمليات الإخصاب تسقط قبل أن تعلم المرأة أنها قد حملت‏,‏ ولا يستمر إلي نهاية فترة الحمل أكثر من حوالي‏22%‏ وفي ذلك يقول رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال‏:‏ يارب مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قال‏:‏ غير مخلقة مجتها الأرحام دما‏(‏ أخرجه ابن أبي حاتم‏).‏

ويقول الله‏(‏ تعالي‏):‏ الله يعلم ما تحمل كل أنثي وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار‏*(‏ الرعد‏:8)‏
وماء المرأة الدافق يخرج مرة واحدة في كل شهر من الحويصلة الحافظة له عندما يدفع المبيض بتلك الحويصلة من حافته إلي بوق قناة الرحم فتنفجر عند تمام نضجها‏,‏ ويندفع ماؤها الأصفر اللون متدفقا بالبييضة إلي داخل قناة الرحم تماما كما يتدفق ماء الرجل بالجيامن فكلاهما ماء دافق كما قررت الآية السادسة من سورة الطارق‏,‏ وكما قال رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في الحديث الذي رواه ثوبان‏(‏ رضي الله عنه‏):...‏ ماء الرجل أبيض‏,‏ وماء المرأة أصفر‏(‏ صحيح الإمام مسلم‏).‏

وهذا الماء الدافق عند المرأة يختلف عن سوائل المهبل‏,‏ وهي سوائل لزجة‏,‏ تسيل ولا تتدفق‏,‏ تفرزها مجموعة من الغدد المتصلة بالمهبل وهي سوائل مطهرة للجهاز التناسلي للأنثي ولا دخل لها بتكوين الجنين‏.‏
وقد سألت إحدي النساء المسلمات‏(‏ واسمها أم سليم‏)‏ رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قائلة‏:‏ يارسول الله إن الله لا يستحيي من الحق‏,‏ هل علي المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ نعم إذا رأت الماء‏.‏
‏(‏أخرجه كل من الإمامين البخاري ومسلم‏).‏

وعلي ذلك فإن في قول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ عن الإنسان‏:‏ خلق من ماء دافق‏*‏ سبق علمي للمعارف المكتسبة بأكثر من ثلاثة عشر قرنا‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرا غير الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏

ثالثا‏:‏ في قوله تعالي‏:‏ يخرج من بين الصلب والترائب‏*:‏
تتكون الغدد التناسلية في كل من الرجل والمرأة‏(‏ الخصيتان والمبيضان‏)‏ مما يعرف باسم الحدبة التناسلية والتي تقع بين صلب الجنين‏(‏ أي عظام ظهره الفقارية أو عموده الفقاري‏),‏ وترائبه‏(‏ أي عظام صدره أو ضلوعه‏)‏ وتنزل الخصيتان بالتدريج حتي تصلا إلي خارج الجسم‏(‏ كيس الصفن‏)‏ في أواخر الشهر السابع من عمر الحميل‏.‏ وينزل المبيضان إلي حوض المرأة في نفس الفترة تقريبا ويبقيان في داخل الحوض‏.‏ وتبقي تغذية تلك الغدد التناسلية الذكرية والأنثوية بالدم والسوائل اللمفاوية والأعصاب من مركزي نشأتها من موقع الحدبة التناسلية بين الصلب والترائب طيلة حياة أصحابها‏,‏ ومن هنا تأتي ومضات الإعجاز العلمي في هذه الآيات الثلاث التي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ فلينظر الإنسان مم خلق‏*‏ خلق من ماء دافق‏*‏ يخرج من بين الصلب والترائب‏*(‏ الطارق‏:5‏ ـ‏7)‏
في التأكيد علي خلق الإنسان من مائي الرجل والمرأة‏,‏ وأن كلا من المائين يخرج دافقا مندفعا‏,‏ وأن كليهما يخرج من بين الصلب والترائب لنشأة الغدد التناسلية في كل من الرجل والمرأة من نفس هذا الموقع‏,‏ واستمرار تغذيتها طيلة حياتها بالدماء والسوائل الليمفاوية والأعصاب من الموقع ذاته‏,‏ مما يجعل هذا الماء يخرج فعلا من بين الصلب والترائب‏.‏

ورحم الله فضيلة الإمام الشيخ أحمد مصطفي المراغي الذي أدرك ببصيرته هذا السبق القرآني المعجز فكتب في تفسيره الصادر من قبل سبعين سنة تعليقا علي هذه الآيات جاء فيه ما يلي‏:‏
وإذا رجعنا إلي علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب‏,‏ وذهب فيها المفسرون مذاهب شتي علي قدر ما أوتي كل منهم من علم‏...‏ ذاك أنه في الأسبوع السابع من حياة الجنين في الرحم ينشأ فيه ما يسمي جسم وولف وقناته علي كل جانب من جانبي العمود الفقري‏.‏ ومن جزء من هذا تنشأ الكلي وبعض الجهاز البولي‏...‏ ومن جزء آخر تنشأ الخصية في الرجل والمبيض في المرأة‏.‏

فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلي ويقع بين الصلب والترائب‏,‏ أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا‏...‏ ومقابل أسفل الضلوع‏.‏ ومما يفسر لنا صحة هذه النظرية أن الخصية والمبيض يعتمدان في نموهما علي الشريان الذي يمدهما بالدم‏...‏ وهو يتفرع من الشريان الأورطي في مكان يقابل مستوي الكلي الذي يقع بين الصلب والترائب‏,‏ ويعتمدان علي الأعصاب التي تمد كلا منهما‏...‏ وتتصل بالضفيرة الأورطية ثم بالعصب الصدري العاشر وهو يخرج من النخاع من بين الضلع العاشر والحادي عشر‏...‏ وكل هذه الأشياء تأخذ موضعها في الجسم فيما بين الصلب والترائب‏.‏ فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني‏..‏ وفي ضبط شئونهما بالأعصاب‏,‏ قد اعتمدتا في ذلك كله علي مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب‏,‏ فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم وجاء به رب العالمين‏,‏ ولم يكشفه العلم إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب العزيز‏....‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏,‏ وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏)‏ اللهم آمين آمين آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

(منقول)


كلمات البحث

رياضيات , مسائل , اختبارات , حلول , شروحات , تطبيقات , تمارين , تميز , ابداع


توقيع Dr.Zamil
رد مع إقتباس
06-16-2011, 09:03 PM   [2]
افتراضي رد: سلسلة الإعجاز العلمي في القرآن


الحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏,‏ وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏)‏ اللهم آمين
شكراً على سلسلةالإعجازالعلمي في القرآن الكريم والمتمثله في سورة الطارق متمنياً أن ينفع بها ناقلها وقارئها .

توقيع أبن خلدون


إتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء بل إن الأحياء أموات.

"ابن خلدون"
  رد مع اقتباس
07-08-2011, 04:00 AM   [3]
افتراضي الإعجاز العلمى ("والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منه ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعا لكم ولأنعامكم" )



الدكتور أسعد محمد نبيل نافع
المقصود من هذا البحث هو تكوين صورة ذهنية لخروج ماء الأرض ومرعاها منها، استنادا إلى المعارف الحديثة عن الأرض، وقد تتطور هذه الصورة مع التطورات العلمية لكشف دلالات أخرى تنطوى عليها هذه الإشارة. ونبدأ باستعراض بعض المعلومات عن الأرض كخلفية لهذه الصورة الذهنية.
- كانت الأرض أول ما شغل تفكير الإنسان منذ أن خلقه الله واستخلفه فيها؛ فاهتم بدراسة هذه الأرض وما عليها والقوى المؤثرة فيها والمادة التي تكونت منها والتغيرات التي تطرأ عليها؛ فالتفكير في الأرض قديم قدم الإنسان نفسه، بل إنه يسبق التفكير في أفرع المعرفة الأخرى، وهو الأصل فيها؛ فمن الطبيعى أن يسعى الإنسان إلى معرفة هذه الأرض التي يدب عليها والبيئة التي يسكنها لكي يحصل على احتياجاته منها من طعام وشراب....الخ، وليتقى أخطارها من ثورات بركانية وفيضانات وأعاصير ونحوها، كما شغفه السعى وراء المعرفة وسعيه وراء تفسير ظواهر الأرض والتأمل في كيفية نشأتها وتطورها وعلاقتها بالكون الذي يحيط بها. ومن محاولة الإنسان الإجابة على هذه التساؤلات نشأت الأصول القديمة للمعرفة العلمية التي تفرعت بمرور الزمن لتصبح علوما مستقلة على النحو الذي نشهده الآن، على الرغم من تشابكها.
- بدأت دراسة الأرض في الظهور كفرع مستقل من العلوم الطبيعية في النصف الثانى من القرن الثامن عشر عندما استخدم أحد العلماء الأوروبيين لفظة geology ليعنى بها "دراسة الأرض" .
- وكان مفهومها محصوراً في دراسة الجزء العلوى من القشرة الأرضية الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه ويتعرف عليه بالمشاهدة المباشرة، من الجبال والسهول والوديان، وكذلك الأعماق التي كان يستطيع أن يسبر أغوارها في المناجم، والتي لم تكن تتعدى بضع عشرات من الأمتار، فضلاً عن الأجزاء الشاطئية من البحار والمحيطات. أما أغوار الأرض البعيدة وتركيبها الداخلى والمساحات الشاسعة من أعماق المحيطات التي يغطيها الماء بعمق 4 كم تقريباً، بالإضافة إلى أبعاد الغلاف الجوي فإنها لم تكن متاحة للدراسة أو للمشاهدة المباشرة أو غير المباشرة، لذلك لم تكن كلمة جيولوجيا تحمل مضمونها الشامل الذي تدل عليه حالياً. ومع تقدم الزمن وتطور مقدرة الإنسان على سبر أغوار الأرض وأجواز الفضاء، إما بالطرق المباشرة بواسطة الحفر العميق أو المناجم العميقة التي تصل إلى آلاف الأمتار، أو بواسطة الأقمار الصناعية؛ أو بالطرق غير المباشرة باستخدام الوسائل التكنولوجية المتقدمة، استطاع الإنسان أن يتعمق أكثر في دراسة الأرض وكل ما يتعلق بها، وأصبحت الأرض من مركزها إلى نهاية أعلى طبقة في غلافها الجوى متاحة لفحص الإنسان إما مباشرة أو بالطرق غير المباشرة، فازدادت مجالات دراسة الأرض من جوانب متعددة لم تكن مطروقة في الأزمنة السابقة، وبدأت تظهر فروع متخصصة في مجالات محددة للأرض وبدأت تأخذ مكانتها كعلوم مستقلة خاصة بالأرض، ومن أمثلة ذلك علم الجيوكيمياء الذي يختص بدراسة كيمياء الأرض، وعلم الجيوفيزياء الذي يختص بدراسة الخصائص الفيزيائية للأرض ومكوناتها، وعلم الحياة القديمة الذي يختص بدراسة تطور الأحياء منذ نشأتها وحتى الآن، لذلك. مع بداية القرن العشرين، بدأت دراسة الأرض تخرج عن مفهوم الجيولوجيا القديم وظهر مفهوم جديد لها يشمل كل هذه الفروع، وأصبحت كلمة جيولوجيا تعنى دراسة كل ما يتعلق بالأرض من جميع الزوايا. ومع تقدم القرن العشرين تشابكت أفرع الجيولوجيا المختلفة مع باقى أفرع المعرفة في العلوم الأخرى إلى الحد الذي استلزم ظهور اصطلاح جديد للتعبير عن دراسة الأرض مــن كل الزوايا وهو "علوم الأرض Earth Sciences”، والذي يعرَّف بأنه كل أفرع العلم التي تختص بدراسة الأرض بكل مكوناتها وما فيها من ثروات وما يجرى في داخلها وعلى سطحها من عمليات إلى علاقتها بالأجرام السماوية الأخرى، وبدأت المعاهد والجامعات التي تدرس فيها الجيولوجيا تتوسع في دراستها وتدريسها، بل بدأت بعض الجامعات تخصص لدراسة الجيولوجيا، بمفهومها الحديث، كلية كاملة لعلوم الأرض، مثل كلية علوم الأرض بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بالمملكة العربية السعودية.
- وكان من الطبيعى أن يلازم هذا التطور العلمى تطور في المفاهيم العلمية عن الأرض ومكوناتها، وعن تفسير الظواهر والعمليات الجيولوجية، وبمعنى آخر تطور في الصور الذهنية عن العمليات الجيولوجية التي يراها الإنسان في الجزء العلوى من القشرة الأرضية التي يعيش على سطحها ويحصل منها على كل احتياجاته. وقد ذكرت الأرض في القرآن الكريم في عدد كبير من الآيات والإشارات العلمية، التي تعطي الإنسان صورا ذهنية عن كل ما يخص الأرض، ومن الطبيعى أيضاً أن تتطور هذه الصور الذهنية مع التطور العلمي الحديث، ومن أمثلة هذ التطور في الصور الذهنية صورة خروج الماء والمرعى من الأرض في مراحل نشأتها.
الماء والمرعى في القرآن الكريم:
- أشار القرآن الكريم إلى الأرض التي نعيش عليها ونحصل منها على كل ما يقيم حياتنا في عدد كبير من الآيات تتناول الكثير من جوانبها (النجار 1994)، وفي ظل علم بدائى ومعلومات بدائية عن الأرض فسر القدماء بعض هذه الإشارات الكريمة تفسيرات اعتمدت على المعارف التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ولكن التقدم العلمى خلال القرن العشرين أدى إلى تراكم الكثير من المعلومات، لذا نؤكد أننا لا نقصد التفسير أو الإعجاز، ولكن تكوين الصورة الذهنية العلمية عن ظاهرة ماء الأرض ومرعاها التي وردت في الآية من سورة النازعات. (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ) {31».
- نزلت هذه الآية على قوم يسكنون الصحراء، حيث كان الرعى من أهم أنشطتهم الاقتصادية، والآبار والعشب الذي ترعاه أنعامهم من أهم مقومات حياتهم، ومن هذا المنطلق وفي ظل علم بدائى بالنسبة لمعارفنا الحالية كان التفسير الطبيعى والمنطقى بالنسبة لهم هو أن خروج الماء من الينابيع والآبار هو خروج من الأرض، وأن نمو العشب من التربة الصحراوية هو أيضاً خروج من الأرض، إذن "أخرج منها ماءها ومرعاها" هو وصف بليغ لظاهرة طبيعية تحدث أمام أعينهم.
- قد يكون ذلك التفسير مقنعاً لقوم يعيشون في بقعة محدودة من الأرض يحصلون فيها على الماء من الينابيع والآبار، ولا يهتمون بغير هذا الماء العذب الذي يقيمون عليه حياتهم، إلا ما ندر في حالة العواصف الرعدية والسيول. ولكن بتقدم العلم واستكشاف أقاصى الأرض وأعماق المحيطات تبيّن لنا أن الماء الذي يخرج من الينابيع والآبار ما هو إلا جزء يسير من ماء الأرض الذي يدور في دورة الماء الطبيعية (شكل 1)؛ فهو يتصاعد بخاراً من البحار والمحيطات ثم يهطل أمطاراً وثلوجاً ليعود إلى المحيط مرة أخرى، أما الجزء الأكبر من ماء الأرض ككل فهو الموجود في البحار والمحيطات التي تغطى حوالى 362 مليون كيلومتر مربع (إميليانى طبعة 1992 1995 ص 287)، أى حوالى 71% من سطح الكرة الأرضية، ويبلغ حجم الماء الموجود في هذه البحار والمحيطات حوالى 1350 مليون كيلومتر مكعب؛ أى قدر حجم اليابسة الظاهر فوق سطح البحر بحوالى 18 مرة (إميليانى السابق ص 287)!!! وبالإضافة إلى ذلك نجد أن الماء العذب الذي يخرج من الينابيع والآبار هو أيضا جزء يسير من الماء العذب في المصادر الأخرى، مثل الجليد والماء الجوفي ورطوبة الجو.
- وبعد معرفة هذه المعلومات عن ماء الأرض يثور سؤال: هل تقصد الآية الكريمة ماء الأرض ككل؟ أم تقتصر على الماء الذي يخرج من الينابيع والآبار فقط؟ من وجهة نظرنا سنضع الفرضية التفسيرية بأن الآية الكريمة تقصد ماء الأرض ككل، ماء البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات وكل ما هو على سطحها من الماء وكل ما هو في باطنها، أو بمعنى آخر كل ماء الأرض الذي يدور في دورته الطبيعية؛ من البحر وإلى البحر. فإذا كان الأمر كذلك؛ فإننا نرى عدم قصر هذه الإشارة على ماء الينابيع والآبار فقط، بل يجب أن نفكر: كيف خرج ماء الأرض كله منها؟
- من ناحية أخرى هناك بلدان لا ترى الماء يخرج من الينابيع والآبار؛ بل تراه ينزل من السماء، ففي البلدان التي تقع على خط الاستواء مثلا يرى الناس الماء ينزل من السماء بصورة مستمرة، ولا تشكل لهؤلاء الناس ظاهرة الينابيع والآبار ما يثير الاهتمام، فالمــاء لديهم متوافر ولا تتأثر الحياة بغياب الينابيع والآبار، نفس الشىء يمكن أن يقال عن المناطق التي يغطيها الجليد لفترات طويلة كل عام؛ فالينابيع والآبار لا تشكل ظاهرة ذات بال إذا وجدت. كذلك أشار القرآن الكريم في آيات متعددة إلى نزول الماء من السماء؛ بل إن الأمطار التي تنزل في المناطق الصحراوية قد تأتى في عواصف رعدية تبعث الرهبة في النفوس وقد تشكل ظاهرة أكبر تأثيراً من خروج الماء من الينابيع والآبار. إذن وصف خروج الماء العذب من الأرض لا يأخذ أهميته إلا في المناطق الصحراوية فقط، ولكن القرآن الكريم نزل لكل زمان ومكان ولكافة البشر؛ فأصبح لزاماً على المشتغلين بالعلم أن يساهموا في تطوير الصورة الذهنية عن خروج الماء من الأرض، ليس لقاطنى الصحارى فقط، ولكن لكل من يقرأ القرآن في كل زمان ومكان، ولا يقتصر هذا على زمن معين أو بيئة معينة فقط، ولكن لا بد من أن تكون الصورة الذهنية متطورة مع التقدم العلمى، ولا يجب أن نعتبر أن تفسيرنا الحالى لخروج ماء الأرض منها هو نهاية المطاف، وخاصة من يشتغل بالعلم منا، نحن إذن ننظر لهذه الإشارة القرآنية الكريمة من زاوية شمول المعنى بما يخص الأرض كلها، وليس منطقة دون أخرى؛ وهذا يؤكد مغزى سؤالنا السابق: كيف خرج ماء الأرض منها؟
- وإذا كان أجدادنا قد تناولوا هذه الإشارة بالتفسير بناء على قدر معارفهم العلمية وعلى ما كانوا يرونه حولهم، فلا شك أننا أجدر بتفسيرها منهم لأن معارفنا أكثر من معارفهم وما نراه أكثر مما كانوا يرونه مما يحقق شمولية وعمومية القرآن لكل زمان ولكل مكان، وبنفس المنطق فإن أحفادنا سيكونون أجدر منا بتفسيرها أيضا لأن معارفهم ستكون أكثر من معارفنا. ولقد توصلت معارفنا الحالية عن معانٍ أكثر عمقا مما قال به السابقون؛ وما نظرتنا الحالية إلا صورة ذهنية عن خروج الماء والمرعى من الأرض، وننتظر تعديل هذه الصورة مع التقدم العلمى والاكتشافات المستقبلية, ونعتقد أن ذلك جانب من جوانب الإعجاز العلمى " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..... " الآية
التفاسير المتواترة:
- جاء في ابن كثيرما يلى:
أن الآية 31 ما هى الا تفسير للآية السابقة لها والتي تتكلم عن دحو الأرض وقد عرجنا إلى نفس التفسير في قوله تعالى: (والذي أخرج المرعى) من سورة الأعلى فكان: أى من صنف النباتات والثمار والزروع.
- وجاء في القرطبى ما يلى:
- ونستنتج مما سبق أن قدامى العلماء قد ركزوا على الماء بمعنى العيون والينابيع والمرعى بمعنى جميع صنوف الخضرة أم الغذاء، وأن هذا التصور كان بديهياً لدرجة أن بعضهم لم يعلق على الآية إلا من منطلق أنها تفسير للآية السابقة التي تتحدث عن الدحو، وأضاف القتبى تعميمه معنى المرعى ليشمل كل شىء موجود على الأرض.
التصور العلمي لخروج الماء من الأرض:
- تتفق جميع النظريات الجيولوجية الحديثة عن أصل الأرض في أنها قد مرت بمرحلة كانت فيها كتلة من المواد الصخرية المنصهرة منذ حوالى 4500 مليون سنة، وأثناء تبريدها كانت تتصاعد منها المواد الطيارة من غازات وأبخرة، وكان من أهمها بخار الماء، الذي كان يتكثف في طبقات الجو العليا ثم يتساقط على الكرة الملتهبة ليتبخر مرة أخرى ويتصاعد بخاراً مرة أخرى ثم يتساقط ثانية، وهكذا ظل الماء يتبخر ويتكثف مع المواد الطيارة الأخرى حتى بردت الأرض إلى درجة تسمح ببقاء الماء سائلاً على سطحها؛ فتكونت البحار والمحيطات وبدأت دورة الماء الجيولوجية التي نعرفها جميعاً. وهكذا نجد أن ماء الأرض قد خرج منها في البداية قبل أن تتكون لها قشرتها الصلبة الباردة التي مكنت الماء أن يسيل عليها (تاربوك ولوتجنز 1989).
- وإذا ما عدنا إلى الإشارة الكريمة بعد هذا التصور، نجد أن فهمنا لخروج الماء من الأرض قد تطور وتعمق، وأن التعبير القرآنى قد صاغ هذا الفهم في بلاغة شملت تصور السابقين والمحدثين. وهكذا نجد أن التعبير القرآنى قد انطوى على معانٍ متعددة اكتشف منها السابقون ما دخل في إدراكهم وأضاف إليه المحدثون بحد ما وصل إليه علمهم، ولا يدرى أحد ما سيكتشفه اللاحقون من معانٍ أخرى بقدر زيادة علمهم، وستظل الإشارة العلمية القرآنية مصدراً لمعانٍ أخرى يكشف عنها واحدة بعد أخرى إلى يوم الساعة.
- من ناحية أخرى، لا يمكن التصور بعد تقدم العلم أن المقصود من ماءها يتوقف فقط على ماء الينابيع والآبار لأنه من الواضح أن منطوق الآية يتحدث عن خلق الأرض، وأيضاً تتحدث الآيات السابقة عن خلق السماء، كما تتحدث الآيات اللاحقة عن رسو الجبال. وهكذا نجد أن التفسيرواكتشاف وجوه الإعجاز منهج متطور ومتغير، أما النص القرآنى فهو لا يتأثر بطريقة فهم المفسرين كل حسب علمه.
هذا عن الماء، فماذا عن المرعى؟
- إذا فهمنا خروج ماء الأرض منها بهذه الصورة، فلا يمكن إذن أن يكون المرعى هو العشب الذي ترعاه الأنعام، بل يجب أن يكون شيئاً يمكن أن ينطبق عليه ما انطبق على الماء؛ شىء خرج مع الماء بنفس الطريقة وفي نفس الزمن، أما العشب فلم يظهر على سطح الأرض إلا بعد أن بردت تماماً وأصبحت مهيأة لظهور الحياة، وقد استغرق ذلك ما لا يقل عن بليونين (ألفي مليون) من السنين بحسابنا. فما هو هذا الشىء الذي خرج مع الماء من الأرض في بداية تكوينها ويمكن أن يقال عنه مرعى؟
- بالرجوع إلى نشأة الأرض، نجد أن هناك غازات ومواد متطايرة أخرى خرجت من الأرض الملتهبة مع بخار الماء، منها غاز ثانى أكسيد الكربون الذي يمكن النظر إليه على أنه مرعى؛ وبدونه لم يكن من الممكن ظهور النباتات الخضراء التي تقوم بالتمثيل الضوئى الذي هو منشأ الغذاء للنبات والحيوان على حد سواء، فمن الممكن إذن النظر إلى العشب على أنه لم يتواجد إلا لوجود ثانى أكسيد الكربون سابقاً عليه؛ فإن كان العشب هو مرعى الأنعام فإن ثانى أكسيد الكربون هو مرعى العشب، تتغذى الأنعام على العشب، ويتغذى العشب على ثانى أكسيد الكربون. ليس هذا فحسب؛ بل هناك مواد أخرى لا تقل أهمية عن ثانى أكسيد الكربون في تكوين المواد العضوية التي هى مصدر المرعى بمعنى الغذاء، مثل النتروجين والفوسفور والنشادر، ولم تكن هذه المعلومات معروفة في زمن نزول القرآن لكي يدرجها المفسرون القداء في تفاسيرهم؛ لكن الخالق سبحانه أشار إليها لكي يكتشفها خليفته في الأرض، وها نحن نكتشفها واحدة تلو الأخرى.
دلالات أخرى:
- إذا أخذنا الصورة الذهنية الحديثة عن الماء والمرعى في ظل إشارات قرآنية أخرى نجد الآتى:
1- نرى أن الماء قد ذكر بمفرده ثم قرن به المرعى دلالة للإشارة إلى المشرب والمأكل بصفة عامة، وهذا التصور يرجحه ما جاء في سورة عبس في وصف طعام الإنسان والأنعام الآيات 24-32 " فلينظر الإنسان إلى طعامه* أنا صببنا الماء صبا* ثم شققنا الأرض شقا* فأنبتنا فيها حبا* وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا *وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا* متاعا لكم ولأنعامكم*"
2- ذكر الماء أولا وبمفرده لأنه: مميز عن كل ما خرج من الأرض إلى سطحها، وأول ما تحتاجه الأحياء قبل الغذاء و"جعلنا من الماء كل شئ حى" ، وليس له بديل. أما الغذاء فهو متنوع وفيه البدائل الكثيرة؛ فهو نباتى، وحيوانى آكل اللحوم أو الجيف، ومتنوع كالإنسان، كذلك تنوعه في مكوناته.
- وتجدر الإشارة إلى أنه في أواخر القرن العشرين تم كشف جديد عن باطن الأرض يشير إلى وجود كميات هائلة من المياه على أعماق تتراوح ما بين 400 و700 كم تحت سطح الأرض (Bergeron 1997) (شكل 4)، ولا زالت النتائج تتوالى عن هذا الكشف لتحديد كيفية وجود هذا الماء في الصخور في هذه الأعماق السحيقة، ومدى علاقته بالمياه السطحية، وقد قدر بعض الباحثين كمية هذا الماء بحوالى عشرة أضعاف مجموع المياه في المحيطات والبحار. فهل يا ترى سيؤدى هذا الكشف إلى تطور الصورة الذهنية التي عرضناها هنا عن ماء الأرض؟ وماذا عن المرعى؟ إن شغف الإنسان إلى المعرفة سيدفعه إلى البحث والقراءة ، وقد يكون ذلك في دلالات أول كلمة من الوحى.

توقيع Dr.Zamil
  رد مع اقتباس
07-08-2011, 04:03 AM   [4]
افتراضي وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ (النازعات)
د.‏ زغـلول النجـار
تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنة


ونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة
-----------------------

جاءت هذه الآية الكريمة في مطلع الربع الأخير من سورة النازعات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ تعني كغيرها من سور القرآن المكي بقضية العقيدة‏,‏ ومن أسسها الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وغالبية الناس منشغلين عن الآخرة وأحوالها‏,‏ والساعة وأهوالها‏,‏ وعن قضايا البعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجنة‏,‏ والنار وهي محور هذه السورة‏.‏
وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعدد من طوائف ملائكته الكرام‏,‏ وبالمهام الجسام المكلفين بها‏,‏ أو بعدد من آياته الكونية المبهرة‏,‏ علي أن الآخرة حق واقع‏,‏ وأن البعث والحساب أمر جازم‏,‏ وربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏,‏ ولكن الآيات القرآنية تأتي في صيغة القسم لتنبيه الناس إلي خطورة الأمر المقسم به‏,‏ وأهميته أو حتميته‏.‏

ثم تعرض الآيات لشيء من أهوال الآخرة مثل‏(‏ الراجفة والرادفة‏)‏ وهما الأرض والسماء وكل منهما يدمر في الآخرة‏,‏ أو النفختان الأولي التي تميت كل حي‏,‏ والثانية التي تحيي كل ميت بإذن الله‏,‏ وتنتقل الآيات إلي وصف حال الكفار‏,‏ والمشركين‏,‏ والملاحدة‏,‏ المتشككين‏,‏ العاصين لأوامر رب العالمين في ذلك اليوم الرهيب‏,‏ وقلوبهم خائفة وجلة‏,‏ وأبصارهم خاشعة ذليلة‏,‏ بعد أن كانوا ينكرون البعث في الدنيا‏,‏ ويتساءلون عنه استبعادا له‏,‏ واستهزاء به‏:‏ هل في الإمكان ان نبعث من جديد بعد أن تبلي الأجساد‏,‏ وتنخر العظام؟ وترد الآيات عليهم حاسمة قاطعة بقرار الله الخالق أن الأمر بالبعث صيحة واحدة فإذا بكافة الخلائق قيام يبعثون من قبورهم ليواجهوا الحساب‏,‏ أو كأنهم حين يبعثون يظنون أنهم عائدون للدنيا مرة ثانية فيفاجأون بالآخرة‏...‏
وبعد ذلك تلمح الآيات إلي قصة موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ مع فرعون وملئه‏,‏ من قبيل مواساة رسولنا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في الشدائد التي كان يلقاها من الكفار‏,‏ وتحذيرهم مما حل بفرعون وبالمكذبين من قومه من عذاب‏,‏ وجعل ذلك عبرة لكل عاقل يخشي الله‏(‏ تعالي‏)‏ ويخاف حسابه‏.‏

ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلي منكري البعث من كفار قريش وإلي الناس عامة بسؤال تقريعي توبيخي‏:‏ هل خلق الناس ـ علي ضآلة أحجامهم‏,‏ ومحدودية قدراتهم‏,‏ وأعمارهم‏,‏ وأماكنهم من الكون ـ أشد من خلق السماء وبنائها‏,‏ ورفعها بلا عمد مرئية إلي هذا العلو الشاهق ـ مع ضخامة أبعادها‏,‏ وتعدد أجرامها‏,‏ ودقة المسافات بينها‏,‏ وإحكام حركاتها‏,‏ وتعاظم القوي الممسكة بها؟ ـ وإظلام ليلها‏,‏ وإنارة نهارها؟ وأشد من دحو الأرض‏,‏ وإخراج مائها ومرعاها منها بعد ذلك‏,‏ وإرساء الجبال عليها‏,‏ وإرساء الأرض بها‏,‏ تحقيقا لسلامتهم وأمنهم علي سطح الأرض‏,‏ ولسلامة أنعامهم ومواشيهم‏.‏
وبعد الإشارة إلي بديع صنع الله في خلق السماوات والأرض كدليل قاطع علي إمكانية البعث عاودت الآيات الحديث عن القيامة وسمتها‏(‏ بالطامة الكبري‏)‏ لأنها داهية عظمي تعم بأهوالها كل شيء‏,‏ وتغطي علي كل مصيبة مهما عظمت‏,‏ وفي ذلك اليوم يتذكر الإنسان أعماله من الخير والشر‏,‏ ويراه مدونا في صحيفة أعماله‏,‏ وبرزت جهنم للناظرين‏,‏ فرآها كل إنسان عيانا بيانا‏,‏ وحينئذ ينقسم الناس إلي شقي وسعيد‏,‏ فالشقي هو الذي جاوز الحد في الكفر والعصيان‏,‏ وفضل الدنيا علي الآخرة‏,‏ وهذا مأواه جهنم وبئس المصير‏,‏ والسعيد هو الذي نهي نفسه عن اتباع هواها انطلاقا من مخافة مقامه بين يدي ربه يوم الحساب‏,‏ وهذا مأواه ومصيره إلي جنات النعيم بإذن الله‏.‏

وتختتم السورة بخطاب إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ متعلق بسؤال كفار قريش له عن الساعة متي قيامها؟‏,‏ وترد الآيات بأن علمها عندالله الذي استأثر به‏,‏ دون كافة خلقه‏,‏ فمردها ومرجعها إلي الله وحده‏,‏ وأما دورك أيها النبي الخاتم والرسول الخاتم فهو إنذار من يخشاها‏,‏ وهؤلاء الكفار والمشركون يوم يشاهدون قيامها فإن هول المفاجأة سوف يمحو من الذاكرة معيشتهم علي الأرض‏,‏ فيرونها كأنها كانت ساعة من ليل أو نهار‏,‏ بمقدار عشية أو ضحاها‏,‏ احتقارا للحياة الدنيا‏,‏ واستهانة بشأنها أمام الآخرة‏,‏ ويأتي ختام السورة متوافقا مع مطلعها الذي أقسم فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي حقيقة البعث وحتميته‏,‏ وأهواله وخطورته‏,‏ لزيادة التأكيد علي أنه أخطر حقائق الكون وأهم أحداثه‏,‏ لكي يتم تناسق البدء مع الختام‏,‏ وهذا من صفات العديد من سور القرآن الكريم‏.‏
وهنا يبرز التساؤل عن معني دحو الأرض‏,‏ وعلاقته بإخراج مائها ومرعاها‏,‏ ووضعه في مقابلة مع بناء السماء ورفعها ـ علي عظم هذا البناء وذلك الرفع كصورة واقعة لطلاقة القدرة المبدعة في الخلق‏,‏ وقبل التعرض لذلك لابد من استعراض الدلالة اللغوية للفظة الدحو الواردة في الآية الكريمة‏:‏

الدلالة اللغوية لدحو الأرض
‏(‏الدحو‏)‏ في اللغة العربية هو المد والبسط والإلقاء‏,‏ يقال‏‏ دحا‏)‏ الشيء‏(‏ يدحوه‏)(‏ دحوا‏)‏ أي بسطه ومده‏,‏ أو ألقاه ودحرجه‏,‏ ويقال‏‏ دحا‏)‏ المطر الحصي عن وجه الأرض أي دحرجه وجرفه‏,‏ ويقال‏:‏ مر الفرس‏(‏ يدحو‏)(‏ دحوا‏)‏ إذا جر يده علي وجه الأرض فيدحو ترابها و‏(‏مدحي‏)‏ النعامة هو موضع بيضها‏,‏ و‏(‏أدحيها‏)‏ موضعها الذي تفرخ فيه‏.‏

شروح المفسرين للآية الكريمة‏:
في شرح الآية الكريمة‏‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ مانصه‏:‏ فسره بقوله تعالي‏(‏أخرج منها ماءها ومرعاها‏),‏ وقد تقدم في سورة فصلت أن الأرض خلقت قبل خلق السماء‏,‏ ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعني أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلي الفعل‏,‏ عن ابن عباس‏(دحاها‏)‏ ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعي‏,‏ وشقق فيها الأنهار‏,‏ وجعل فيها الجبال والرمال‏,‏ والسبل والآكام‏,‏ فذلك قوله‏‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)....‏
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ رحمهما الله‏)‏ والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ أي بسطها ومهدها لتكون صالحة للحياة‏,‏ وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو‏.(‏أخرج‏)‏ حال بإضمار قد أي‏:‏ دحاها مخرجا‏(‏ منها ماءها ومرعاها‏)‏ بتفجير عيونها‏,‏ و‏(‏مرعاها‏)‏ ماترعاه النعم من الشجر والعشب‏,‏ ومايأكله الناس من الأقوات والثمار‏,‏ وإطلاق المرعي عليه استعارة‏.‏

وذكر صاحب الظلال‏(‏يرحمه الله‏):‏ ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها‏,‏ بحيث تصبح صالحة للسير عليها‏,‏ وتكوين تربة تصلح للإنبات‏,...,‏ والله أخرج من الأرض ماءها سواء مايتفجر من الينابيع‏,‏ أو ماينزل من السماء فهو أصلا من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر‏;‏ وأخرج من الأرض مرعاها‏,‏ وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام‏,‏ وتعيش عليه الأحياء مباشرة أو بالواسطة‏..‏
وجاء في‏(‏ صفوة البيان لمعاني القرآن‏):'‏ ودحا الأرض ـ بمعني بسطها ـ وأوسعها‏,‏ بعد ذكر ذلك الذي ذكره من بناء السماء‏,‏ ورفع سمكها‏,‏ وتسويتها‏,‏ وإغطاش ليلها‏,‏ وإظهار نهارها‏,‏ وقد بين الله الدحو بقوله‏‏أخرج منها ماءها‏)‏ بتفجير العيون‏,‏ وإجراء الأنهار والبحار العظام‏.(‏ ومرعاها‏)‏ أي جميع مايقتات به الناس والدواب بقرينة قوله بعد‏‏متاعا لكم ولأنعامكم‏)........‏ وأخبرنا بعد ذلك بأنه هو الذي بسط الأرض‏,‏ ومهدها لسكني أهلها ومعيشتهم فيها‏:‏ وقدم الخبر الأول لأنه أدل علي القدرة الباهرة لعظم السماء‏,‏ وانطوائها علي الأعاجيب التي تحار فيها العقول‏.‏ فبعدية الدحو إنما هي في الذكر لا في الإيجاد‏,‏ وبجعل المشار إليه هو ذكر المذكورات من البناء وما عطف عليها لا أنفسها‏,‏ لايكون في الآية دليل علي تأخر الدحو عن خلق السماوات وما فيها‏.....'.‏

وجاء في‏(‏صفوة التفاسير‏)‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ومهدها لسكني أهلها‏(‏أخرج منها ماءها ومرعاها‏)‏ أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة‏,‏ وأجري فيها الأنهار‏,‏ وأنبت فيها الكلأ والمرعي مما يأكله الناس والأنعام‏'.‏
وجاء في‏(‏المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏):'‏ والأرض بعد ذلك بسطها ومهدها لسكني أهلها‏,‏ وأخرج منها ماءها بتفجير عيونها‏,‏ وإجراء أنهارها‏,‏ وإنبات نباتها ليقتات به الناس والدواب‏..‏

وهذا الاستعراض يدل علي أن المفسرين السابقين يجمعون علي أن من معاني دحو الأرض هو إخراج الماء والمرعي من داخلها‏,‏ علي هيئة العيون وإنبات النبات‏.‏

دحو الأرض في العلوم الكونية
أولا‏:‏ إخراج كل ماء الأرض من جوفها‏:‏
كوكب الأرض هو أغني كواكب مجموعتنا الشمسية في المياه‏,‏ ولذلك يطلق عليه اسم‏(‏ الكوكب المائي‏)‏ أو‏(‏ الكوكب الأزرق‏)‏ وتغطي المياه نحو‏71%‏ من مساحة الأرض‏,‏ بينما تشغل اليابسة نحو‏29%‏ فقط من مساحة سطحها‏,‏ وتقدر كمية المياه علي سطح الأرض بنحو‏1360‏ مليون كيلومتر مكعب‏(1.36*910);‏ وقد حار العلماء منذ القدم في تفسير كيفية تجمع هذا الكم الهائل من المياه علي سطح الأرض‏,‏ من أين أتي؟ وكيف نشأ؟

وقد وضعت نظريات عديدة لتفسير نشأة الغلاف المائي للأرض‏,‏ تقترح احداها نشأة ماء الأرض في المراحل الأولي من خلق الأرض‏,‏ وذلك بتفاعل كل من غازي الأيدروجين والأوكسيجين في حالتهما الذرية في الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ وتقترح ثانية أن ماء الأرض أصله من جليد المذنبات‏,‏ وتري ثالثة أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلا من داخل الأرض‏.‏والشواهد العديدة التي تجمعت لدي العلماء تؤكد أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلا من جوفها‏,‏ ولايزال خروجه مستمرا من داخل الأرض عبر الثورات البركانية‏.‏
ثانيا‏:‏ إخراج الغلاف الغازي للأرض من جوفها‏:‏
بتحليل الأبخرة المتصاعدة من فوهات البراكين في أماكن مختلفة من الأرض اتضح أن بخار الماء تصل نسبته إلي أكثر من‏70%‏ من مجموع تلك الغازات والأبخرة البركانية‏,‏ بينما يتكون الباقي من اخلاط مختلفة من الغازات التي ترتب حسب نسبة كل منها علي النحو التالي‏:‏ ثاني أكسيد الكربون‏,‏ الإيدروجين‏,‏ أبخرة حمض الأيدروكلوريك‏(‏ حمض الكلور‏),‏ النيتروجين‏,‏ فلوريد الإيدروجين‏,‏ ثاني أكسيد الكبريت‏,‏ كبريتيد الإيدروجين‏,‏ غازات الميثان والأمونيا وغيرها‏.‏
ويصعب تقدير كمية المياه المندفعة علي هيئة بخار الماء إلي الغلاف الغازي للأرض من فوهات البراكين الثائرة‏,‏ علما بأن هناك نحو عشرين ثورة بركانية عارمة في المتوسط تحدث في خلال حياة كل فرد منا‏,‏ ولكن مع التسليم بأن الثورات البركانية في بدء خلق الأرض كانت أشد تكرارا وعنفا من معدلاتها الراهنة‏,‏ فإن الحسابات التي أجريت بضرب متوسط ما تنتجه الثورة البركانية الواحدة من بخار الماء من فوهة واحدة‏,‏ في متوسط مرات ثورانها في عمر البركان‏,‏ في عدد الفوهات والشقوق البركانية النشيطة والخامدة الموجودة اليوم علي سطح الأرض أعطت رقما قريبا جدا من الرقم المحسوب بكمية المياه علي سطح الأرض‏.‏
ثالثا‏:‏ الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي هي مصدر مياه وغازات الأرض‏:‏
ثبت أخيرا أن المياه تحت سطح الأرض توجد علي أعماق تفوق كثيرا جميع التقديرات السابقة‏,‏ كما ثبت أن بعض مياه البحار والمحيطات تتحرك مع رسوبيات قيعانها الزاحفة إلي داخل الغلاف الصخري للأرض بتحرك تلك القيعان تحت كتل القارات‏,‏ ويتسرب الماء إلي داخل الغلاف الصخري للأرض‏.‏ عبر شبكة هائلة من الصدوع والشقوق التي تمزق ذلك الغلاف في مختلف الاتجاهات‏,‏ وتحيط بالأرض إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين‏150,65‏ كيلومترا‏.‏
ويبدو أن الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي هي مصدر رئيسي للمياه الأرضية‏,‏ وتلعب دورا مهما في حركة المياه من داخل الأرض إلي السطح وبالعكس‏,‏ وذلك لأنه لولا امتصاصها للمياه ماانخفضت درجة حرارة انصهار الصخور‏,‏ وهي إذا لم تنصهر لتوقفت ديناميكية الأرض‏,‏ بما في ذلك الثورات البركانية‏,‏ وقد ثبت أنها المصدر الرئيسي للغلاف المائي والغازي للأرض‏.‏
وعلي ذلك فقد أصبح من المقبول عند علماء الأرض أن النشاط البركاني الذي صاحب تكوين الغلاف الصخري للأرض في بدء خلقها هو المسئول عن تكون كل من غلافيها المائي والغازي‏,‏ ولاتزال ثورات البراكين تلعب دورا مهما في إثراء الأرض بالمياه‏,‏ وفي تغيير التركيب الكيميائي لغلافها الغازي وهو المقصود بدحو الأرض‏.‏
وذلك نابع من حقيقة أن الماء هو السائل الغالب في الصهارات الصخرية علي الرغم من أن نسبته المئوية إلي كتلة الصهارة قليلة بصفة عامة‏,‏ ولكن نسبة عدد جزيئات الماء إلي عدد جزيئات مادة الصهارة تصل إلي نحو‏15%,‏ وعندما تتبرد الصهارة الصخرية تبدأ مركباتها في التبلور بالتدريج‏,‏ وتتضاغط الغازات الموجودة فيها إلي حجم أقل‏,‏ وتتزايد ضغوطها حتي تفجر الغلاف الصخري للأرض بقوة تصل إلي مائة مليون طن‏,‏ فتشق ذلك الغلاف وتبدأ الغازات في التمدد‏,‏ والانفلات من الذوبان في الصهارة الصخرية‏,‏ ويندفع كل من بخار الماء والغازات المصاحبة له والصهارة الصخرية إلي خارج فوهة البركان أو الشقوق المتصاعدة منها‏,‏ مرتفعة إلي عدة كيلومترات لتصل إلي كل أجزاء نطاق التغيرات المناخية‏(8‏ ـ‏18‏ كيلومترا فوق مستوي سطح البحر‏),‏ وقد تصل هذه النواتج البركانية في بعض الثورات البركانية العنيفة إلي نطاق التطبق‏(30‏ ـ‏80‏ كيلومترا فوق مستوي سطح البحر وغالبية مادة السحاب الحار الذي تتراوح درجة حرارته بين‏500,250‏ درجة مئوية يعاود الهبوط إلي الأرض بسرعات تصل إلي‏200‏ كيلومتر في الساعة لأن كثافته أعلي من كثافة الغلاف الغازي للأرض‏.‏
والماء المتكثف من هذا السحاب البركاني الحار الذي يقطر مطرا من بين ذرات الرماد التي تبقي عالقة بالغلاف الغازي للأرض لفترات طويلة يجرف معه كميات هائلة من الرماد والحصي البركاني مكونا تدفقا للطين البركاني الحار علي سطح الأرض في صورة من صور الدحو‏.‏
ومنذ أيام ثار بركان في احدي جزر الفلبين فغمرت المياه المتكونة أثناء ثورته قرية مجاورة آهلة بالسكان بالكامل‏.‏
وقد يصاحب الثورات البركانية خروج عدد من الينابيع‏,‏ والنافورات الحارة وهي ثورات دورية للمياه والأبخرة شديدة الحرارة تندفع إلي خارج الأرض بفعل الطاقة الحرارية العالية المخزونة في أعماق القشرة الأرضية‏.‏
ويعتقد علماء الأرض أن وشاح كوكبنا كان في بدء خلقه منصهرا انصهارا كاملا أو جزئيا‏,‏ وكانت هذه الصهارة هي المصدر الرئيسي لبخار الماء وعدد من الغازات التي اندفعت من داخل الأرض‏,‏ وقد لعبت هذه الأبخرة والغازات التي تصاعدت عبر كل من فوهات البراكين وشقوق الأرض ـ ولا تزال تلعب ـ دورا مهما في تكوين وإثراء كل من الغلافين المائي والغازي للأرض وهو المقصود بالدحو‏.‏
رابعا‏:‏ دورة الماء حول الأرض‏:‏

شاءت إرادة الخالق العظيم أن يسكن في الأرض هذا القدر الهائل من الماء‏,‏ الذي يكفي جميع متطلبات الحياة علي هذا الكوكب‏,‏ ويحفظ التوازن الحراري علي سطحه‏,‏ كما يقلل من فروق درجة الحرارة بين كل من الصيف والشتاء صونا للحياة بمختلف أشكالها ومستوياتها‏.‏
وهذا القدر الذي يكون الغلاف المائي للأرض موزونا بدقة بالغة‏,‏ فلو زاد قليلا لغطي كل سطحها‏,‏ ولو قل قليلا لقصر دون الوفاء بمتطلبات الحياة عليها‏.‏
ولكي يحفظ ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ هذا الماء من التعفن والفساد‏,‏ حركه في دورة معجزة تعرف باسم دورة المياه الأرضية تحمل في كل سنة‏380,000‏ كيلو متر مكعب من الماء بين الأرض وغلافها الغازي‏,‏ ولما كانت نسبة بخار الماء في الغلاف الغازي للأرض ثابتة‏,‏ فإن معدل سقوط الأمطار سنويا علي الأرض يبقي مساويا لمعدل البخر من علي سطحها‏,‏ وإن تباينت أماكن وكميات السقوط في كل منطقة حسب الارادة الإلهية‏,‏ ويبلغ متوسط سقوط الأمطار علي الأرض اليوم‏85,7‏ سنتيمتر مكعب في السنة‏,‏ ويتراوح بين‏11,45‏ متر مكعب في جزر هاواي وصفر في كثير من صحاري الأرض‏.‏ وصدق رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ إذ قال‏:‏ ما من عام بأمطر من عام‏.‏
وإذ قال‏:...‏ من قال أمطرنا بنوء كذا أو نوء كذا فقد كفر‏;‏ ومن قال أمطرنا برحمة من الله وفضل فقد آمن‏.‏
وتبخر أشعة الشمس من أسطح البحار والمحيطات‏320,000‏ كيلو متر مكعب من الماء في كل عام وأغلب هذا التبخر من المناطق الاستوائية حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلي‏25‏ درجة مئوية‏,‏ بينما تسقط علي البحار والمحيطات سنويا من مياه المطر‏284,000‏ كيلو مترا مكعبا‏,‏ ولما كان منسوب المياه في البحار والمحيطات يبقي ثابتا في زماننا فإن الفرق بين كمية البخر من أسطح البحار والمحيطات وكمية ما يسقط عليها من مطر لابد وأن يفيض إليها من القارات‏.‏
وبالفعل فإن البخر من أسطح القارات يقدر بستين ألف كيلو متر مكعب بينما يسقط عليها سنويا ستة وتسعون ألفا من الكيلو مترات المكعبة من ماء المطر والفارق بين الرقمين بالإيجاب هو نفس الفارق بين كمية البخر وكمية المطر في البحار والمحيطات‏(36,000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ فسبحان الذي ضبط دورة المياه حول الأرض بهذه الدقة الفائقة‏.‏
ويتم البخر علي اليابسة من أسطح البحيرات والمستنقعات‏,‏ والبرك‏,‏ والأنهار‏,‏ وغيرها من المجاري المائية‏,‏ ومن أسطح تجمعات الجليد‏,‏ وبطريقة غير مباشرة من أسطح المياه تحت سطح الأرض‏,‏ ومن عمليات تنفس وعرق الحيوانات‏,‏ ونتح النباتات‏,‏ ومن فوهات البراكين‏.‏
ولما كان متوسط ارتفاع اليابسة هو‏823‏ مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ ومتوسط عمق المحيطات‏3800‏ مترا تحت مستوي سطح البحر‏,‏ فإن ماء المطر الذي يفيض سنويا من اليابسة إلي البحار والمحيطات‏(‏ ويقدر بستة وثلاثين ألفا من الكيلومترات المكعبة‏)‏ ينحدر مولدا طاقة ميكانيكية هائلة تفتت صخور الأرض وتتكون منها الرسوبيات والصخور الرسوبية بما يتركز فيها من ثروات أرضية‏,‏ ومكونة التربة الزراعية اللازمة لإنبات الأرض‏,‏ ولو أنفقت البشرية كل ما تملك من ثروات مادية ما استطاعت أن تدفع قيمة هذه الطاقة التي سخرها لنا ربنا من أجل تهيئة الأرض لكي تكون صالحة للعمران‏...!!!.‏
خامسا‏:‏ توزيع الماء علي سطح الأرض‏:‏
تقدر كمية المياه علي سطح الأرض بنحو‏1360‏ مليون كيلو متر مكعب‏,‏ أغلبها علي هيئة ماء مالح في البحار والمحيطات‏(97,20%),‏ بينما يتجمع الباقي‏(2,8%)‏ علي هيئة الماء العذب بأشكاله الثلاثة الصلبة‏,‏ والسائلة‏,‏ والغازية‏;‏ منها‏(2,15%‏ من مجموع مياه الأرض‏)‏ علي هيئة سمك هائل من الجليد يغطي المنطقتين القطبيتين الجنوبية والشمالية بسمك يقترب من الأربعة كيلو مترات‏,‏ كما يغطي جميع القمم الجبلية العالية‏,‏ والباقي يقدر بنحو‏0.65%‏ فقط من مجموع مياه الأرض يختزن أغلبه في صخور القشرة الأرضية علي هيئة مياه تحت سطح الأرض‏,‏ تليه في الكثرة النسبية مياه البحيرات العذبة‏,‏ ثم رطوبة التربة الأرضية‏,‏ ثم رطوبة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ثم المياه الجارية في الأنهار وتفرعاتها‏.‏
وحينما يرتفع بخار الماء من الأرض إلي غلافها الغازي فإن أغلبه يتكثف في نطاق الرجع‏(‏ نطاق الطقس أو نطاق التغيرات المناخية‏)‏ الذي يمتد من سطح البحر إلي ارتفاع يتراوح بين‏16‏ و‏17‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ وبين‏6‏ و‏8‏ كيلو مترات فوق القطبين‏,‏ ويختلف سمكه فوق خطوط العرض الوسطي باختلاف ظروفها الجوية‏,‏ فينكمش الي ما هو دون السبعة كيلو مترات في مناطق الضغط المنخفض ويمتد إلي نحو الثلاثة عشر كيلو مترا في مناطق الضغط المرتفع‏,‏ وعندما تتحرك كتل الهواء الحار في نطاق الرجع من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين فإنها تضطرب فوق خطوط العرض الوسطي فتزداد سرعة الهواء في اتجاه الشرق متأثرا باتجاه دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق‏.‏
ويضم هذا النطاق‏66%‏ من كتلة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وتتناقص درجة الحرارة والضغط فيه باستمرار مع الارتفاع حتي تصل الي نحو‏60‏ درجة مئوية تحت الصفر والي عشر الضغط الجوي العادي عند سطح البحر في قمته المعروفة باسم مستوي الركود الجوي وذلك لتناقص الضغط بشكل ملحوظ عنده‏.‏
ونظرا لهذا الانخفاض الملحوظ في كل من درجة الحرارة والضغط الجوي‏,‏ والي الوفرة النسبية لنوي التكثف في هذا النطاق فإن بخار الماء الصاعد من الأرض يتمدد تمددا ملحوظا مما يزيد في فقدانه لطاقته‏,‏ وتبرده تبردا شديدا ويساعد علي تكثفه وعودته الي الأرض مطرا أو بردا أو ثلجا‏,‏ وبدرجة أقل علي هيئة ضباب وندي في المناطق القريبة من الأرض‏.‏
سادسا‏:‏ دحو الأرض معناه إخراج غلافيها المائي والغازي من جوفها‏:‏
ثبت أن كل ماء الأرض قد أخرجه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من داخل الأرض عن طريق الأنشطة البركانية المختلفة المصاحبة لتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض‏.‏
كذلك فإن ثاني أكثر الغازات اندفاعا من فوهات البراكين هو ثاني أكسيد الكربون‏,‏ وهو لازمة من لوازم عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بتنفيذها النباتات الخضراء مستخدمة هذا الغاز مع الماء وعددا من عناصر الأرض لبناء خلايا النبات وأنسجته‏,‏ وزهوره‏,‏ وثماره‏,‏ ومن هنا عبر القرآن الكريم عن إخراج هذا الغاز المهم وغيره من الغازات اللازمة لإنبات الأرض من باطن الأرض تعبيرا مجازيا بإخراج المرعي‏,‏ لأنه لولا ثاني أكسيد الكربون ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا كستها الخضرة‏.‏
سابعا‏:‏ من معجزات القرآن الإشارة إلي تلك الحقائق العلمية بلغة سهلة جزلة‏:‏
علي عادة القرآن الكريم فإنه عبر عن تلك الحقائق الكونية المتضمنة إخراج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض من داخل الأرض بأسلوب لا يفزغ العقلية البدوية في صحراء الجزيرة العربية وقت تنزله‏,‏ فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏ والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والعرب في قلب الجزيرة العربية كانوا يرون الأرض تتفجر منها عيون الماء‏,‏ ويرون الأرض تكسي بالعشب الأخضر بمجرد سقوط المطر‏,‏ ففهموا هذا المعني الصحيح الجميل من هاتين الآيتين الكريمتين‏,‏ ثم نأتي نحن اليوم فنري في نفس الآيتين رؤية جديدة مفادها أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يمن علي الأرض وأهلها وعلي جميع من يحيا علي سطحها أنه‏(‏ سبحانه‏)‏ قد هيأها لهذا العمران بإخراج كل من أغلفتها الصخرية والمائية والغازية من جوفها حيث تصل درجات الحرارة الي آلاف الدرجات المئوية مما يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وبكمال العلم‏,‏ وتمام الحكمة‏,‏ كما يشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي هذا الوحي الخاتم بأنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السموات والأرض‏,‏ فلم يكن لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم ولا لقرون متطاولة من بعده إلمام بحقيقة ان كل ماء الأرض‏,‏ وكل هواء الأرض قد أخرجه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من داخل الأرض‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان الا في العقود المتأخرة من القرن العشرين فسبحان منزل القرآن من قبل أربعة عشر قرنا ووصفه بقوله الكريم‏:‏ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما‏(‏ الفرقان‏:6)‏
وصلي الله وسلم وبارك علي رسولنا الأمين الذي تلقي هذا الوحي الرباني فبلغ الرسالة‏,‏ وأدي الأمانة‏,‏ ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏,‏ والذي وصفه ربنا‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بقوله الكريم‏:‏ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفي بالله شهيدا‏(‏ النساء‏:166)

توقيع Dr.Zamil
  رد مع اقتباس
07-08-2011, 01:11 PM   [5]
افتراضي رد: سلسلة الإعجاز العلمي في القرآن

أشكرك د. زامل على ما أفدتنا به في هذا الموضوع .

  رد مع اقتباس
07-08-2011, 03:25 PM   [6]
افتراضي رد: سلسلة الإعجاز العلمي في القرآن

شاااااااااكرة لك د/زامل على الطرح المميز والمعلومااات القيمة

توقيع أم تركي

http://www.youtube.com/user/leliy1413?feature=mhee
نحو الضياء نسوق خطواً واثقا ونزيح بالأضواء ليلا معتما
عَمَلٌ بِلا رُؤيَة إهدارٌ للوَقت، وَرُؤيَةٌ بِلا عَمَل مُجَرّد حُلم ، و رُؤيَةٌ و عَمَل يُمكِنُ أن تُغيّر العَالَم
  رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 01:07 AM

أقسام المنتدى

المنتديات العامة | ملتقى واستراحة الرواد العام | منتدى الترحيب والتهاني والقرارات الإدارية | منتدى البرامج الهامة | منتدى التربية والتعليم | منتديات الرياضيات | منتدى الرياضيات العام | منتدى مسائل التعليم العام | منتديات القياس (QEYAS) | منتدى القياس العام | اختبارات القدرات العامة (كمي) | اختبارات القدرات العامة (لفظي) | المنتديات الإدارية | الاقتراحات والشكاوي | منتدى المشرفين | الاختبارات التحصيلية | المنتديات الخاصة | مكتب الإشراف التربوي "" قسم الرياضيات " | منتدى المسابقات الدورية وسؤال اليوم | منتدى الهندسة بشتى فروعها | منتدى نظرية الأعداد والجبر العالي | منتدى التفاضل والتكامل والمعادلات التفاضلية | منتدى الإحصاء والإحتمالات | منتدى الرياضيات التطبيقية | منتديات الأولمبياد والرياضيات البحته | منتدى الاولمبياد العام | منتدى التحليل الحقيقي | منتدى الهندسة المتقدمة | منتدى التوبولوجي والتحليل المتقدم والمعادلات الداليه | منتدى المتفاوتات (المتباينات / المتراجحات ) | منتديات الرياضيات اللامنهجية | منتدى المسائل الرياضية | منتدى الألغاز الرياضية | منتدى التحليل المركب | منتدى الشروحات | المواضيع المحذوفة والمكررة | منتدى ورش العمل والتدريب عن بعد | ورش عمل المرحلة الثانوية | ورش عمل المرحلة المتوسطة | ورش عمل المرحلة الابتدائية | منتديات الرياضيات المنهجية | منتدى التعليم العالي (الجامعي) | المكتبة العامة للرياضيات | مكتبة المرحلة الإبتدائية | مكتبة المرحلة المتوسطة | مكتبة المرحلة الثانوية | نادي الرياضيات العلمي |



تصميم متجر
تصميم متجرالكتروني
تصميم ستايل
مرحبا
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
مرحبا
cheap flights to thailand
جميع الحقوق محفوظة لرواد الرياضيات

Security team

This Forum used Arshfny Mod by islam servant

Security byi.s.s.w